Published: أغسطس 6, 2021

كيمياء الماء المستخدم في إعداد الشاي

قبل وقت طويل من القصة المأثورة لماعز كالدي وتناولها ثمار القهوة لأول مرة، كان خبراء الشاي يدركون أهمية جودة الماء في عملية التخمير*. فقد عُرف عن عالم الشاي لو يو، الذي اشتهر في القرن الثامن، تفضيله استخدام مياه الينابيع في صنع الشاي، وكتب في دليله ''الشاي الكلاسيكي' أن ’أفضل مياه الينابيع هي تلك التي تتدفق ببطء فوق البرك الحجرية على سفوح الجبال البكر‘. وقد بلغ استخدام الماء المناسب للتخمير من الأهمية ما جعل ينابيع معينة تكتسب شهرة كبيرة، فأصبحت تجذب المسافرين من جميع أنحاء الصين بسبب مياهها المناسبة لإعداد الشاي.

تمثال لو يو، مؤلف كتاب'الشاي الكلاسيكي'، أول كتاب متخصص في فن تخمير الشاي.

وفي حين أن المحتوى المعدني لمياه التخمير له تأثير واضح على مظهر ونكهة المشروبات، إلا أنه لا يوجد إجماع كبير على نوع الماء ’الأفضل‘ لإعداد الشاي. بل يبدو أن أنواع الشاي المختلفة تناسب أنواعًا مختلفة من الماء، وأن الذوق الشخصي له دوره أيضًا. كما قد نجد أن بعض هواة الشاي يفضلون أنواعًا معينة من الماء على غيرها لأسباب غير ملموسة، مثل الطاقة الحيوية للماء أو القرب الجغرافي لمصدره من منطقة زراعة الشاي. كما ويقوم بعض معدي القهوة بوضع صخور معينة داخل الغلاية لمعدنة الماء أو إضفاء طابع منطقة معينة عليه. يعتبر اختيار الماء المناسب لشاي معين جزءًا من فن التخمير ومهارة تُكتسب مع الخبرة الطويلة.

كما تشتمل طرق تخمير الشاي التي يعود تاريخها إلى القرن الثامن على توصيات بشأن أفضل ماء للتخمير..

إلا أننا سنتبنى في هذا المنشور نهجًا أكثر واقعية، وسنتعمق في البحوث العلمية التي أجريت حول هذا الموضوع. حيث يؤكد العلم الحديث على أهمية احتواء ماء تخمير الشاي على المحتوى المعدني الصحيح، ويقدم لنا بعض الدلائل عن سبب ملاءمة بعض أنواع الماء لتخمير أنواع معينة من الشاي.

 

استخدام الماء اليسر لإعداد الشاي

وتعود الإرشادات الأكثر شيوعًا في الصناعة إلى جمعية الشاي الأمريكية، حيث تنصح بمجموعة واسعة من أنواع الماء، لا تختلف كثيرًا عن تلك المستخدمة في تخمير القهوة:

  • الأس الهيدروجيني (درجة الحموضة) من 6 – 8
  • إجمالي المواد الصلبة الذائبة [جزء في المليون] من 50 - 150
  • إجمالي عسر الماء [جزء في المليون] 80

إلا أن معظم خبراء الشاي يرون أن الماء الأكثر يسرًا في هذا النطاق يعتبر الأفضل لإعداد أنواع الشاي المتخصصة. وربما يكون يو نفسه قد فضل استخدام مياه الينابيع الجبلية العالية لهذا السبب، حيث تكون مياه الجبال تكون يسرة نسبيًا لأنها تلامس الصخور القاعدية لوقت قصير فقط.

وقد عُرف عن عالم الشاي يو لو تفضيله للماء الذي يتدفق ببطء من ينابيع الجبال العالية. فماء الجبال يعرف بكونه يسرًا، مما يتوافق مع التوصيات الحديثة لتخمير الشاي.

وقد توصلت معظم الأبحاث المنشورة حول هذا الموضوع إلى نفس النتيجة. وقد قارنت إحدى الدراسات بين الشاي الذي تم تخميره باستخدام عدة أنواع من المياه، مثل : مياه الصنبور (حوالي 200 جزء في المليون)، والمياه المعدنية المعبأة (70 جزء في المليون)، ومياه الينابيع الجبلية (20 جزء في المليون) والمياه النقية (جو وآخرون، 2017). وقد وجد الباحثون أن المياه منخفضة المعادن أنتجت نكهة أفضل، حيث حققت مياه الينابيع الجبلية أفضل النتائج بشكل عام. تقلل زيادة عسر ماء التخمير من المذاق المر والحلو والأومامي «اللذيذ» في الشاي، وتمنحه مذاقًا لاذعًا.

كما يتمتع الشاي المصنوع بماء منخفض المعادن بمظهر أفضل. وقد يكوّن الماء العسر نوعين من الرواسب الصلبة في الشاي: ’الزبد‘ المعتادة والتي تكوّن غشاءً على سطح الشاي، و ’كريمة الشاي‘، وهي مادة صلبة عكرة تتكون عندما يبرد الشاي. وعادة ما يكون الشاي المصنوع باستخدام الماء اليسر أكثر نقاءً وأفتح لونًا وأقل عرضة لتكوين الزبد.

مثال على زبد الشاي في أشد حالاته. تصوير جين سيلكوف (رخصة المشاع الإبداعي).

وقد وجد جو وآخرون أن الأس الهيدروجيني (درجة الحموضة) في الماء هي أيضًا عامل مهم. فقاموا بتعديل الرقم الهيدروجيني لمياه الصنبور بإضافة مادة حامضية حتى وصل إلى 6، وهو نفس الرقم الهيدروجيني لمياه الجبال. فوجدوا أن ذلك قد أدى إلى تحسين نكهة الشاي ونقائه، لكنه لم يعوض تمامًا عن الاختلاف في العسر.

كما وجدت دراسة أخرى أن قلة العسر وانخفاض درجة الحموضة في الماء تنتج شايًا أفضل، ولكنها أشارت أيضًا إلى أن الشاي الأخضر يبدو أكثر تأثرًا بالمحتوى المعدني للماء من الشاي الأسود (كاو وآخرون، 2021كاو وآخرون، 2021). ويُعزى ذلك، على الأرجح، إلى أهمية الكاتيشين في نكهة الشاي الأخضر ومظهره.

 

الكاتيشين

الكاتيشين هو عبارة عن المركبات الفينولية التي تمنح الشاي الأخضر معظم قدراته المضادة للأكسدة التي يشتهر بها. في الشاي الأسود وشاي أولونغ الصيني، تؤدي عملية أكسدة الأوراق (التي تسمى تقليديًا ’بالتخمير‘، على الرغم من عدم حدوث أي تخمير takes place) )، إلى تحويل مادة الكاتيشين إلى مادة البوليفينول التي تعطي الشاي الأسود لونه البني الأحمر (ليونغ وآخرون، 2001).). ولذلك، فإن الشاي الأخضر يتميز بقدرة مضادة للأكسدة تقارب ضعف قدرة الشاي الأسود (لي وآخرون، 2002). وتركز الكثير من أبحاث الشاي على استخلاص الكاتيشين أكثر النكهة بسبب الفوائد الصحية لمضادات الاكسدة.

وقد وجدت العديد من الدراسات أن صنع الشاي بالماء العسر، أو الذي يتميز بدرجة حموضة أعلى، ينتج مشروبات تحتوي على كمية أقل من مادة الكاتيشين. وقد يعود السبب في هذا جزئيًا إلى أن الكالسيوم الموجود في الماء يرتبط بالبكتين الموجود في جدران خلايا النباتات، مما يجعلها أقل مسامية (موسيون وآخرون، 2008). إلا أن العامل الرئيسي يبدو أن الماء الذي يحتوي على نسبة عالية من المعادن أو درجة حموضة أعلى يتأكسد بمضادات الأكسدة بسرعة أكبر (كابريرا وآخرون، 2021). عندما تتأكسد مادة الكاتيشين فإنها ترتبط ببعضها البعض لتكون جزيئات , أكبر ذات لون داكن، وهو ما يفسر الاختلاف في اللون بين المشروبات المخمرة باستخدام الماء العسر واليسر. تنخفض النكهات المرة في مادة الكاتيشين عند تحللها. ولكن الجزيئات الأكبر حجمًا التي تتشكل نتيجة لذلك تزيد من المذاق اللاذع للشاي.

لذلك، فإن الخبراء يرون أن الماء الأكثر يسرًا ينتج شايًا أفضل مذاقًا ومظهرًا، وقد يكون صحيًا أكثر، وذلك بسبب مضادات الأكسدة الموجودة فيه. ومع ذلك، فقد تكون لدى المستهلك العادي فكرة مختلفة تمامًا عما يمنح الشاي مذاقه الجيد.

 

هل المذاق المر أفضل؟

معظم دراسات التذوق المذكورة حتى الآن أجريت في الصين، وذلك بالاستعانة بلجان الخبراء المدربين على تقييم نكهة الشاي وصفاته الأخرى. إلا أنه هناك اختلافات ثقافية قوية في طريقة استهلاك الشاي وأنواع النكهات المتوقعة في الشاي. فمادة الكاتيشين الموجودة في الشاي الأخضر تجعله مرًا، وهذه المرارة جزء من النكهة المتوقعة للشاي الأخضر ذي الجودة العالية. أما الشاي الأسود فهو أقل مرارة وأكثر لذوعة، وعادة ما يكون لدى مستهلكيه توقعات مختلفة.

وقد استعاضت إحدى الدراسات الأمريكية عن لجنة الخبراء بمجموعة كبيرة من مستهلكي الشاي النموذجيين للحكم على تأثير كيمياء الماء على تخمير الشاي (فرانكس وآخرون، 2019). وقد جاءت أغلبية النتائج مشابهة للدراسات التي سبق ذكرها: استخلص الماء اليسر كمية أكبر من الكاتيشين، وكان له تأثير أكبر على نكهة الشاي الأخضر مقارنة بالشاي الأسود.

إلا أنه، وعلى عكس ما خرجت به الدراسات الأخرى، فقد فضل هؤلاء المشاركين الشاي المخمر باستخدام ماء أكثر عسرًا. يفترض المؤلفون أن الاختلاف في النتيجة يعود إلى ’الاختلاف في ذوق مجموعة صغيرة من الخبراء الصينيين مقابل ذوق مجموعة كبيرة من مستهلكي الشاي في الولايات المتحدة‘. فقد رأى أعضاء اللجنة الأمريكية أن المرارة الأشد للشاي الأخضر المخمر بالماء اليسر جعلته أقل استساغة. ويقترح الباحثون استخدام الماء منزوع الأيونات في إعداد الشاي الذي يُشرب لأسباب صحية. في حين يعتبر ماء الصنبور العادي أفضل لمعظم المستهلكين الذين يشربون الشاي للاستمتاع بمذاقه.

 

الطرق البديلة لمعالجة الماء

في المقاهي، يرجح أن يقوم معدو القهوة بتخمير الشاي بنفس كمية الماء التي يستخدمونها لإعداد القهوة، وذلك بعد معالجته بالتناضح العكسي أو باستخدام خرطوشة المرشح. ومع ذلك، فإن طرق تخمير الشاي التقليدية تنطوي على عدة طرق لمعالجة الماء. وقد أوصى يو بإضافة قليل من الملح إلى الماء لإزالة النكهات الرديئة منه. بينما يضيف بعض خبراء الشاي صخورًا معينة تسمى ’أحجار مايفان‘، أو فحم الخيزران ، إلى الماء عند غليه. ومع أنه غالبًا ما يُدّعى أن هذه الطرق ’تنقي‘ الماء، إلا أنها قد تؤثر بشكل غير ملحوظ على المحتوى المعدني، وبالتالي، على نكهة الشاي.

ومع أننا لم نعثر على أي بحث تمت مراجعته من قبل الزملاء حول هذا الموضوع، إلا أن الكاتب المختص في علم الشاي، ري تولالي (2020) )، يعتقد أن العنصر المشترك في العديد من هذه العلاجات قد يكون مادة السيليكا. فقد أشار تولالي إلى أن الماء عالي السيليكا، مثل مياه فيجي ، يقوي من الإحساس في الفم ومذاق الشاي اللاحق، وأن الخيزران هو مصدر معروف لمادة السيليكا. وإلى أن يتم إجراء المزيد من الأبحاث حول هذا الموضوع، فلا يمكننا أن نجزم إذا ما كانت السيليكا هي المعدن المفقود في وصفة الماء المثالية للشاي.

لكن الدراسات المختلفة قد أظهرت أن لكل معدم من المعادن الموجودة في الماء تأثير مختلف على أنواع الشاي المختلفة. لهذا السبب، يوصي العديد من خبراء الشاي باستخدام ماءٍ أكثر يسرًا للشاي الأبيض والأخضر مقارنة بشاي أولونغ الصيني أو الأسود، وذلك لإبراز النكهة المتوقعة من هذه الأنواع من الشاي. للحصول على كوب من ’شاي البناة‘ قوي المذاق، يمكنك اتباع نصيحة السيدة بيتون: ’ستساعد إضافة بضع حبات من كربونات الصودا قبل صب الماء المغلي على الشاي على استخلاص مذاقه الطيب.‘ أما بالنسبة لأنواع الشاي الأكثر حساسية، والمفضلة عادةً في المقاهي المتخصصة، فقد تظهر بعض النكهات الجديدة عند استخدام ماء أكثر ليونة من ماء تخمير القهوة.


على الرغم مما يتفق عليه الجميع تقريبًا، فلا يوجد دليل تاريخي يدعم قصة كالدي وماعزه. ويرجح أن تكون هذه القصة مجازية وتجمع عددًا من العناصر المبكرة لقصة القهوة وتبسط الأحداث والأماكن في عدد قليل من الشخصيات. لمعرفة المزيد حول هذه القصة، استمع إلى البث الصوتي The History of Coffee podcast.

0 تعليق

إرسال تعليق

30 Day Money Back Guarantee+
30 Day Money Back Guarantee

Signup for a personal BH Membership with a 30 day money back guarantee! Signup is risk-free and you can cancel your membership at any time!